الشيخ عبد الله المامقاني ( العلامة الثاني )

خاتمة 97

تنقيح المقال في علم الرجال ( ط . ق )

التّحديث ان يقول حدّثنا أو أخبرنا تنزيلا لسكوته مع قيام القرائن على اقراره منزلة اقراره أم لا لأنّه كذب فانّ السكوت مع القرائن تصحيح وامضاء لا تصريح واخبار وجهان بل قولان اوّلهما خيرة أكثر الفقهاء والمحدّثين وثانيهما هو الأظهر وفاقا لبعض أهل الفن فتدبّر السّابع انّه قد اصطلح عدّة من المحدّثين التّعبير فيما سمعه وحده من لفظ الشّيخ بقول حدّثنى بالأفراد وفيما سمعه منه مع غيره بقول حدّثنا بالجمع وما قرأ عليه بنفسه اخبرني وما قرئ على المحدّث بحضرته أخبرنا وما التزم به أولى ولكن لم يثبت تعيّنه وكذا في صورة الشكّ في انّه سمعه وحده أو مع غيره قال في البداية وما سمعه الرّاوى من الشّيخ وحده أو شكّ هل سمعه وحده أو مع غيره قال عند روايته لغيره حدّثنى واخبرني بصيغة المتكلّم وحده فيكون مطابقا للواقع مع تحقّق الوحدة ولأنّه المتيقّن مع الشك ولأصالة عدم سماع غيره معه وما سمعه مع غيره يقول حدّثنا وأخبرنا بصيغة الجمع للمطابقة أيضا وقيل « 1 » انّه يقول مع الشكّ حدّثنا لا حدّثنى لأنّها أكمل مرتبة من حدثنا حيث انّه يحتمل عدم قصده بل التّدليس بتحديث أهل بلده كما مرّ فليقتصر إذا شكّ على الناقص وضعا لأنّ عدم الزّايد هو الأصل قال في البداية وهذا التّفصيل بملاحظة أصل الأفراد والجمع هو الأولى ولو عكس الأمر فيهما فقال في حال الوحدة والشكّ حدّثنا بقصد التّعظيم وفي حالة الاجتماع حدثني نظرا إلى دخوله في العموم وعدم ادخال من معه في لفظه جاز لصحّته لغة وعرفا انتهى قلت قد نقل بعضهم اتّفاق العلماء على اولويّة ما ذكر من التّفصيل في التّعبير وعدم تعيّنه وهو ظاهر نعم منع العلماء من ابدال حدّثنا باخبرنا وبالعكس في النقل عن الكتب المصنّفة نظرا إلى احتمال ان يكون من قال ذلك لا يرى التّسوية بينهما وقد عبّر بما يطابق مذهبه وكذا ليس له ابدال سمعت باخبرنا أو حدّثنا ولا عكسه نعم لو كان المص ممّن يرى التّسوية بين أخبرنا وحدّثنا بنى على الخلاف المشهور في نقل الحديث بالمعنى فان جوّزناه جاز الأبدال والّا فلا وامّا المسموع منهما من غير أن يذكر في مصنّف فيبنى جواز تعبيره بالأخر على جواز الرّواية بالمعنى وعدمه فان قلنا به جاز التّعبير والّا فلا سواء قلنا بتساويهما في المعنى أم لا لأنّه ح يكون مختار العبارة مؤدية لمعنى الأخرى وان كانت أعلى رتبة أو أدنى كما نبّه على ذلك كلّه في البداية وغيرها الثامن انّ الأشهر الأظهر انّه لا يشترط في صحّة التّحمل بالسّماع والقراءة الترائى بان يرى الرّاوى المروى عنه بل يجوز له التّحمل بالسّماع أو القراءة من وراء الحجاب إذا عرف صوته ان حدّث بلفظه أو عرف حضوره بمكان يسمع منه ان قرء عليه وقد قال جمع منهم الشّهيد الثّانى ره في البداية انّه يكفى في المعرفة بحضور الشّيخ أو بصوته اخبار الثّقة من أهل الخبرة بالشّيخ وفيه تأمّل إذ لا دليل على حجيّة خبر الثّقة الّا إذا أفاد العلم أو انضمّ اليه خبر مثله لتتمّ البيّنة وعن شعبة عدم تجويز التحمّل من وراء حجاب ونحوه واشتراطه الرّؤية لإمكان المماثلة في الصّوت وقد كان بعض السّلف يقول إذا حدّثك المحدّث فلم تر وجهه فلا تر وعنه فلعلّه شيطان قد تصوّر في صورته يقول حدّثنا وأخبرنا وردّ بانّ العلم بالصّوت يدفع ذلك واحتمال التصوّر مشترك بين المشافهة ووراء الحجاب مضافا إلى انّ الرّؤية لو كانت شرطا لم تصحّ رواية الأعمى كابن امّ مكتوم والتّالى بين الفساد فكذا المقدم وأيضا قد كان السّلف يسمعون من أزواج النّبى ( ص ) وغيرهنّ من النّساء من وراء الحجاب ويروون عنهنّ اعتمادا على الصّوت واستدلّوا على عدم الإشتراط أيضا بانّ النّبى ( ص ) امر بالاعتماد على سماع صوت ابن امّ مكتوم المؤذّن في حديث انّ بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتّى تسمعوا اذان ابن أم مكتوم الحديث مع غيبة شخصه عمّن يسمعه وأنت خبير بانّ هذا الوجه اجنّبى عن المطلوب فانّ الأذان غير الرّواية المبحوث عنها كما لا يخفى ثم لا يخفى عليك انا تبعنا في نقل رواية الأذان النّقلة والا فالرّواية على عكس ذلك وقد غيّرته العامّة كما بينا ذلك في الشيخ في ترجمة عبد اللّه بن زائدة المكنى بابن أم مكتوم فلاحظ ثالثها الإجازة وهي على ما في البداية وغيرها في الأصل مصدر أجاز وأصلها اجوازه تحركت الواو فتوهّم انفتاح ما قبلها فقلبت الفأ فبقيت الألف الزّائدة الّتى بعدها فحذفت لإلتقاء السّاكنين فصارت إجازة وفي المحذوف من الألفين الزّائدة والأصليّة قولان مشهوران أولهما قول سيبويه وثانيهما قول الأخفش وهي مأخوذة من جواز الماء الّذى يسقاه المال من الماشية والحرث ومنه قولهم استجزته فاجازنى إذا سقاك ماء لماشيتك أو ارضك فالطالب للحديث يستجيز العالم علمه اى يطلب اعطائه له على وجه يحصل به الإصلاح لنفسه كما يحصل للأرض والماشية الإصلاح بالماء فيجيزه له وكثيرا ما يطلق على العلم اسم الماء وعلى النّفس اسم الأرض وعليه بعض المفسّرين في قوله تعالى وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وحيث كانت مأخوذة من الإجازة الّتى هي الإستقاء فتتعدى إلى المفعول بغير حرف جرّ ولا ذكر رواية فتقول اجزته مسموعاتى مثلا كما تقول اجزته مائي والمعروف انّ الإجازة بمعنى الأذن والتّسويغ وعلى هذا فتقول أجزت له رواية كذا كما تقول اذنت له وسوّغت له وقد يحذف المضاف الّذى هو متعلّق الأذن فتقول أجزت له مسموعاتى مثلا من غير ذكر الرّواية على وجه المجاز بالحذف هذا ما في البداية بتغيير يسير وقد أفاد ذلك غيره أيضا وحكى عن القسطلاني في المنهج انّ الإجازة مشتقّة من التجوّز وهو التعدّى فكانّه عدى روايته حتى أوصلها إلى الرّاوى عنه وإذ قد عرفت ذلك فهنا مطالب الاوّل انّه قد وقع الخلاف في جواز تحمّل الرّواية بالإجازة وجواز أدائها والعمل بها فالمشهور بين العلما من المحدّثين والأصوليّين كما في البداية وغيرها الجواز وادّعى جماعة الإجماع عليه نظرا إلى شذوذ المخالف وحكى عن جمع من المحدّثين كشعبة وإبراهيم الحربي وأبى نصر الوائلي وأبى الشّيخ الإصبهاني وجمع من الفقهاء كأبى حنيفة وأبى يوسف على ما حكاه الأمدى وما لك على ما حكاه القاضي عبد الوهّاب والشّافعى في أحد قوليه وجماعة من أصحابه منهم القاضيان حسين والماوردي وأبو بكر الخجندى الشّافعى وأبو طاهر الدبّاس الحنفي المنع بل عن أبي حزم انها بدعة وفصل بعض الظّاهريّة ومتابعوهم فأجاز والتّحديث بها ومنعوا من العمل بها كالمرسل وعن الأوزاعي عكس ذلك فجوّز العمل بها دون التحديث حجّة المشهور انّ الإجازة عرفا في قوّة الأخبار بمروياته جملة فهو كما لو اخبره تفصيلا والأخبار غير متوقّف على التّصريح نطقا كما في القراءة على الشّيخ وانّما الغرض حصول الأفهام وهو يتحقّق بالإجازة المفهمة وليس في الإجازة ما يقدح في اتّصال المنقول بها وفي الثّقة به فيجرى عليها حكم السّماع من الشّيخ وحجة المانع انّ قول المحدث أجزت لك ان تروى عنى ما لم تسمع في معنى أجزت لك ما لا يجوز في الشّرع لأنّه لا يبيح رواية ما لم يسمع فكأنّه في قوّة أجزت لك ان تكذب علىّ ورد بانّ الإجازة والرّواية بالإجازة مشروطتان بتصحيح الخبر من المخبر بحيث يوجد في أصل صحيح مع بقيّة ما يعتبر فيها لا الرّواية عنه مط سواء عرف أم لا فلا يتحقّق الكذب وحجة الظّاهرى امّا على جواز التّحديث فحجّة المشهور وامّا على المنع من العمل فكونه كالمرسل وضعفه ظاهر بل هو تناقض لإتحاد ملاك التحديث والعمل وحجة الأوزاعي امّا على جواز العمل فالوثوق بالصّدور وامّا على المنع من التّحديث فحجّة المانع وهو كسابقه واشهر الأقوال أظهرها وعليه ففي ترجيح السّماع عليها أو العكس أقوال فالأشهر ترجيحه عليها مط لكون السّماع ابعد عن الاشتباه من الإجازة وعن بعض المحقّقين تفضيل الإجازة على السّماع مط وعن أحمد بن ميسرة المالكي انّ الإجازة على وجهها خير من السّماع الردىّ وعن

--> ( 1 ) القائل هو يحيى بن سعيد القطان